أبي الفرج الأصفهاني

29

الأغاني

يقص عليه سبب دعوته له وضع المرآة في غلافها ، وقال للجارية : انصرفي ، فقد حرّم علينا مسلم الطَّيب . فلما فرغت من القصيدة قال لي : يا مسلم ، أتدري ما الَّذي حداني إلى أن وجهت إليك ؟ فقلت : لا واللَّه ما أدري . قال : كنت عند الرّشيد منذ ليال أغمّز [ 1 ] رجليه ، إذ قال لي : يا يزيد ، من القائل فيك : / سلّ الخليفة سيفا من بني مطر يمضي فيخترم الأجساد والهاما [ 2 ] كالدّهر لا ينثني عمّا [ 3 ] يهمّ به قد أوسع الناس إنعاما وإرغاما فقلت : لا واللَّه ما أدري . فقال لي الرّشيد : يا سبحان اللَّه ! أنت مقيم على أعرابيّتك ، يقال فيك مثل هذا الشّعر ولا تدري من قائله ! فسألت عن قائله ، فأخبرت أنّك أنت هو ، فقم حتى أدخلك على أمير المؤمنين . يدخل على الرشيد ويمدحه فيأمر له بجائزة ثم قام فدخل على الرّشيد ، فما علمت حتى خرج عليّ الإذن فأذن لي ، فدخلت على الرّشيد ، فأنشدته ما لي فيه من الشّعر ، فأمر لي بمائتي ألف درهم ، فلما انصرفت إلى يزيد أمر لي بمائة وتسعين ألفا ، وقال : لا يجوز لي أن أعطيك مثل ما أعطاك أمير المؤمنين . وأقطعني إقطاعات تبلغ غلَّتها مائتي ألف درهم . يهجو يزيد فيدعوه الرشيد ويحذره قال مسلم : ثم أفضت بي الأمور بعد ذلك إلى أن أغضبني فهجوته ، فشكاني إلى الرّشيد ، فدعاني وقال : أتبيعني عرض يزيد ؟ فقلت : نعم يا أمير المؤمنين . فقال لي : بكم ؟ فقلت : برغيف خبز . فغضب حتى خفته على نفسي ، وقال : قد كنت على أن أشتريه منك بمال جسيم ، ولست أفعل ولا كرامة ، فقد علمت إحسانه إليك ، وأنا نفيّ من أبي ، وو اللَّه ثمّ واللَّه لئن بلغني أنّك هجوته لأنزعنّ لسانك من بين فكَّيك ، فأمسكت عنه بعد ذلك ، وما ذكرته بخير ولا شرّ . البيدق يصله بيزيد بن مزيد ويسمعه شعره فيأمر له بجائزة أخبرني الحسن بن علي ، قال : حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه ، قال : حدّثني محمد بن عبد اللَّه اليعقوبيّ ، قال : / حدّثني البيدق [ 4 ] الرّاوية - وكان من أهل نصيبين - قال : دخلت دار يزيد بن مزيد يوما وفيها الخلق ، وإذا فتى شابّ جالس في أفناء النّاس ، ولم يكن يزيد عرفه بعد ، وإذا هو مسلم بن الوليد ، فقال لي : ما في نفسي أن أقول شعرا أبدا ، فقلت : ولم ؟ قال : لأنّي قد مدحت هذا الرّجل بشعر ما مدح بمثله قطَّ ، ولست أجد من يوصّله ، فقلت له : أنشدني بعضه ، فأنشدني منه : موف على مهج في يوم ذي رهج كأنّه أجل يسعى إلى أمل

--> [ 1 ] الغمز : الكبس باليد والجس . [ 2 ] في الديوان - 63 : « فيخترق الأجساد . . . » . وفي ديوان المعاني : « فيخترق الأحشاء . . . » . [ 3 ] في الديوان - 62 : « لا ينثني عمن يهم به » . [ 4 ] في مي : « البيزق » .